ما هي أنواع ومنهجيَّات ودرجات الأبحاث العلميَّة

Types and Levels of Research

إنَّ المصدر الأوَّل والأساسيَّ للمعلومات عند المتخصِّصين، هو المقالات العلميَّة المنشورة في المجلَّات العلميَّة المحكَّمة. وكما أنَّ المجلَّات المحكَّمة تختلف في درجاتها، فإنَّ الأبحاث المنشورة فيها -أيضاً- تختلف في درجاتها، فمنها ما يُعتبر ذا قيمةٍ علميَّةٍ عاليةٍ، ومنها ما تكون قيمته العلميَّة محدودةً. وإنَّ من أهمِّ ما يُحدِّد القيمة العلميَّة للبحث، هو نوعه. ونوع البحث هو المنهجيَّة العلميَّة التي استُخدمت لعمله. ومثال ذلك، الأبحاث المنشورة، والتي تعتمد على حالةٍ واحدةٍ فقط تم عمل البحث عليها، وتسمَّى (Case Report)، وتعتبر القمية العلميَّة لهذه الأبحاث محدودةً، وذلك لأنها قامت على حالةٍ واحدةٍ فقط، ولا يمكن تعميم نتيجتها على المجتمع بأكمله. بينما تُعتبر الأبحاث العلميَّة المعمولة بمنهجيَّة (Randomized Controlled Trial)، ذات قيمةٍ علميَّةٍ عاليةٍ، لأنَّه يتم عملها على عيِّنةٍ تُمثِّل مجتمع البحث، وغالباً ما تُقسَّم هذه العيِّنة إلى مجموعتين لغرض المقارنة.


إذاً، ما هي المنهجيَّات الأكثر شيوعاً، وما هي درجاتها؟

من خلال الشَّكل في الأسفل، نرى أن أقلَّ درجةٍ في المنهجيَّات، هي Expert Opinion، وكلَّما ارتفعنا في الهرم، زادت القيمة العلميَّة للبحث، وغالباً ما تزداد المنهجيَّة صعوبةً في التَّطبيق.
هرم درجات الأبحاث العلمية


وهنا سنأخذ كلَّ منهجيَّةٍ، ونفصِّل فيها تفصيلاً محدوداً كي لا يملَّ القارئ:

Expert Opinion / Anecdotal

في هذا النَّوع، يكون الكاتب قد تحدَّث عن موضوعٍ معيَّنٍ من خلال خبرته في مجال التَّخصُّص الذي يكتب فيه، وبالرَّغم من أن الكاتب يكون قد راجع في كتابته الموضوع بالتَّفصيل، إلَّا أنَّه لا يمكنه استبعاد انحيازه خلال الكتابة، وذلك لسببين، الأوَّل، هو أنَّه لا يوجد منهجيَّةٌ واضحةٌ في طريقة مراجعة الموضوع، كما هو الحال في (Systematic Reviews)، والثاني، أنَّه يعتمد في المجمل على خبرته في المجال، وعلى مراجعَ محدودةٍ لا تغطِّي كل ما هو منشور حول الموضوع الذي يكتب عنه.


Case Report / Case Series

عادةً ما تكون المنهجيَّة المتَّبعة في هذا النَّوع، هي المراجعة والكتابة عن حالةٍ واحدةٍ (Case Report) أو عدَّة حالاتٍ (Case Series) مرَّت على المتخصِّص، ولا يمكن من خلالها الحصول على دليلٍ قاطعٍ يُعتمد عليه في الحالات الأخرى. أو بمعنىً آخر، لو افترضنا أنَّ حالةً نادرةً مرَّت على متخصِّصٍ ما، فإنَّه يقوم بالبحث حول هذه الحالة، ونشر ما يجده حولها، ونتائج ما عمله لها. وبالطَّبع، لا يمكن الاستغناء عن، أو تحييد هذا النَّوع من الأبحاث، ولكن يمكن استخدام هذا النَّوع عند وجود الحالات النَّادرة، أو التي لا يمكن الحصول على حالاتٍ أخرى تحمل نفس الصِّفات.


Cohort Studies

يدخل في هذه المنهجيَّة طرقٌ بحثيَّةٌ كثيرةٌ، من أكثرها شيوعاً، الدِّراسات المستقبليَّة (Prospective) والدِّراسات المرجعيَّة (Retrospective). يقوم الباحث بتطبيق هذه المنهجيَّة عبر استقطاب مجموعةٍ من المتطوِّعينَ لعمل البحث عليهم. ولا يلزم في هذا النَّوع من الأبحاث، أن يكون تعيين المتطوِّعين عشوائيَّاً كما هو الحال في (Randomized Controlled Trials)، وإنما غالباً ما  تكون هناك بعض الصِّفات المشتركة بين المتطوِّعين، كأن يكونوا جميعاً مدخنِّين، ويقوم الباحث بمتابعتهم، وعمل تحليلاتٍ بصفةٍ دوريَّةٍ لهم، لمعرفة ما إذا كانت هذه الصِّفة المشتركة لها تأثيرٌ معيَّنٌ عليهم.


Controlled Clinical Trials

إنَّ هذه الدٍّراسات، تعتمد في الغالب على وجود مجموعتين من المتطوِّعين، أو أكثر، تكون إحدى هذه المجموعات مجموعة للحكم (Control Group)، لا يُعرَّض أفرادها لما يتعرَّض له أفراد المجموعات الأخرى من دواءٍ أو غيره، أو يتمُّ إعطاؤهم دواءً لا يحتوي على المادَّة الفعَّالة (Placebo)، ويقوم الباحث بمقارنة متغيِّرٍ معيَّنٍ بين المجموعات. ومثاله، أنَّ باحثاً يريد معرفة عدد كريَّات الدَّم البيضاء عند المصابين بالتهاب اللَّوزتين بعد استخدام دواءٍ معيَّنٍ. فيقوم بتقسيم المتطوِّعين المصابين إلى مجموعتين، ويعطي أفراد إحدى المجموعتين دواءً يعالج الالتهاب، بينما لا يعطي أفراد المجموعة الأخرى الدَّواء. وبعد فترة معيَّنةٍ، يقوم الباحث بقياس عدد كريَّات الدَّم البيضاء عند أفراد المجموعتين، ويقارن بينهما، لمعرفة ما إذا كان هذا الدَّواء يؤثِّر على عدد الكريَّات.


Randomized Controlled Trials

لتبسيط شرح هذه المنهجيَّة المهمَّة، والتي تعتبر المعيار الذَّهبيَّ (Gold Standard) للأبحاث، نستطيع أن نقول أنَّه في هذا النَّوع، يكون توزيع المتطوِّعين على المجموعات عشوائياً، بحيث لا يتدخَّل الباحث في هذا التَّوزيع، حتى لا يؤثِّر على مخرجات البحث. كما أنَّه يجب وجود مجموعة تحكُّمٍ معياريَّةٍ (Control Group)، لا يتعرَّض أفرادها للمتغيِّر المراد بحثه، أو الدَّواء، أو يحصلون على (Placebo)، سواءً كان دواءً معيَّناً، أو عمليَّةً طبيَّة معيَّنةً، أو غير ذلك. وباختصار، في هذه المنهجيَّة، يكون استقطاب وتوزيع المتطوِّعين عشوائيَّاً على المجموعات، بشرط أن تكون إحدى المجموعات مجموعة تحكُّمٍ معياريَّةٍ (Control Group). وعادةً ما يقوم الباحثون بكتابة هذا النَّوع من الأبحاث باستخدام (CONSORT)، وهي قائمةٌ تحدِّد ما يجب أن تشتمل عليه كتابة الـ(Randomized Controlled Trial)، حتَّى لا يُغفل الكاتب جانباً مهمَّاً في الدِّراسة، أو ينسى الكتابة عنه. وسأفرد مقالةً كاملةً أكتب فيها عن هذه المنهجيَّة الأساسيَّة في الأبحاث الطبيَّة إن شاء الله.


Systematic Reviews & Meta-Analyses

هذه هي الدَّرجة الأعلى في الأبحاث العلميَّة، ولكن لا يمكن القيام بعملها في حال عدم وجود دراساتٍ سابقةٍ، وغالباً ما تكون الدِّراسات السابقة المدرجة في هذا البحث من نوع (Randomized Controlled Trials). في هذين النوعين من المنهجيَّات، يقوم الباحث بجمع كلِّ ما تمَّ كتابته مسبقاً عن الموضوع الذي يريد بحثه، وتصنيفه، ثمَّ إيراده. فيقوم بالبحث في قواعد البيانات باستخدام كلماتٍ مفتاحيَّةٍ معيَّنةٍ، ومختارةٍ مسبقاً، حسب الهدف من البحث. ويجب على الباحث، كتابة الطَّريقة التي اتَّبعها خلال بحثه في قواعد البيانات بالتَّفصيل، وطريقة اختياره للأبحاث المدرجة، وطريقة تصنيفها من حيث الجودة والقوَّة، وأسباب إدراج الدِّراسات المُدرجة، وأسباب استبعاد الدِّراسات المستبعدة. يتفق النوعان (Systematic Reviews) و(Meta-Analyses)، في جميع الخطوات، إلا أنه في الـ(Meta Analyses)، يقوم الباحث بجمع الدِّراسات التي أدرجها في بحثه، إجراء نوعٍ معيَّنٍ من العمليَّات الإحصائيَّة على هذه الدِّراسات، ثمَّ كتابة تقريرٍ مفصَّلٍ عن نتائج هذه العمليَّات. وكثيراً ما يستخدم الباحثون رسماً يسمَّى (Forest Plot) في الـ(Meta-Analyses)، ويظهر هذا الرَّسم في الشَّكل التَّالي، وهو يمثِّل نتائج دراسةٍ حول تأثير استخدام دواءٍ معيَّنٍ (Vapocoolant) على مقدار الألم خلال إدخال قناة التَّغذية في الوريد:

مثال Meta-analysis
مصدر الرسم البياني: Griffith, R.J., Jordan, V., Herd, D., Reed, P.W. and Dalziel, S.R., 2016. Vapocoolants (cold spray) for pain treatment during intravenous cannulation. The Cochrane Library.
من خلال الشَّكل السَّابق، يظهر لنا أن شكل المعيَّن، والذي يظهر في آخر صفٍّ، يمثِّل نتيجة البحث بعد إجراء العمليَّات الإحصائيِّة على الدِّراسات المدرجة، ونرى أنَّ المعيَّن يميل إلى اليسار أكثر، لا يمرُّ في الخطِّ في المنتصف (خطُّ الصِّفر)، وهذا يعني أنَّ نتيجة جمع الدِّراسات مع بعضها، وتحليلها إحصائيَّاً تميل إلى أنَّ استخدام الدواء (Vapocoolant) يخفِّف الألم خلال إدخال قناة التَّغذية في الوريد. إنَّ نتيجةً كهذه، جمعت عدَّة دراساتٍ ذات جودةٍ عاليةٍ، تعطي المتخصِّص القدرة على اتِّخاذ قرار استخدام هذا الدَّواء بثقةٍ عاليةٍ أنَّ نتيجة استخدامه ستكون إيجابيَّةً. وكما أنَّ (CONSORT) تستخدم في (RCTs)، فإنَّ (PRISMA) تستخدم في كتابة وعرض الـ(Systematic Reviews & Meta-Analyses).


عرضت هنا أكثر المنهجيَّات العلميَّة استخداماً، وأرجو أن يكون الشَّرح مبسَّطاً وسهلاً لمن يريد الحصول على معلومةٍ ميسَّرةٍ، لتوضيح معاني هذه المنهجيَّات واستخداماتها.